في غُرفَةٍ مُتَهَالِكَةٍ تَقْبَعُ بِزَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الدَّارِ العَتِيقَةِ جَلَسَ الشَّيْخُ (نُـور) بعدَ صلاةِ العصرِ في مُقَدِّمَةِ تلاميذَ بَعْضُهُمْ أطفالٌ فِي عُمُرِ الزُّهُورِ والبَعْضُ الآخَرُ قَدْ كَبِرَ وَصَارَ فَتِيًّا ، وقَد اجْتَمَعُوا مِنْ جَنَبَاتِ ذلِكَ الحَيِّ وكُلُّهم إخوَةٌ لِأمٍّ واحِدةٍ ، وجَلَسَ الشَّيْخُ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ آياتٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ تعالى ويُرَدِّدُونَهَا خَلْفَه فِي وَقَارٍ ألِفُوهُ واطْمَئَنَّتْ بِه أفْئِدَتُهُم ، إذا تَلا الشَّيخُ حَسِبْتَ الأطْفَالَ نِيَامًا مِنْ شِدَّةِ سُكُونِهِمْ وهُدُوئِهِمْ ، وإذَا سَكَتَ وابْتَدَرُوا التِّلاوَةَ ظَنَنْتَهُم ثُلَّةً مِنَ المُحَارِبِينَ يَزْأرُونَ فِي المَيْدَانِ بَحْثًا عَنْ نِزَالٍ .
مَضَىْ مِنَ الوَقْتِ شَيْءٌ قَدْ لا تَسْتَطِيعُ حِسَابَهُ ، وَإذْ بِالشَّيْخِ يَتَوَقَّفُ عَنِ التِّلاوَةِ ويَقُولُ بِصَوْتِهِ الحَنُونِ : (الآنَ يَاأحَب إلَيَّ مِنْ نَفْسِي قَدْ جَاءَ وَقْتُ الشِّعْرِ) .
كُلُّ هَذَا كَانَ مُعْتَادًا ألِفَهُ الأطْفَالُ قَبْلَ الشَّيْخِ ، ولَكِنَّ الجَدِيدَ في هَذَا اليَوْمِ هُوَ مَابَادَرَ (عَبْدُ اللهِ) ذُو السَّنَوَاتِ التِّسْعِ إلَى طَلَبِهِ ……….
رَفَعَ (عَبْدُ اللهِ) كَفَّهُ الصَّغِيرَ طَالِبًا التَّكَلُّم فَأشَارَ الشَّيْخُ مُبْتَسِمًا لِلْفَتَىْ أنِ افْعَلْ ، كَانَ الشَّيْخُ يَحْسَبُه سَيَطْلُبَ السَّمَاحَ بالمغَادَرَةِ لِعُذرٍ كَمَا اعْتِيدَ مِنهُ ؛ لكن اخْتَلَفَ مَطْلَبُ صَاحِبِنَا الصَّغِيرِ هَذِهِ المرة .
سَكَتَ الصَّغِيرُ هُنَيْهَةً فَبَادَرَهُ الشَّيْخُ مُنْفَعِلًا : (قُلْ ماتُرِيدُ فَمَا عَادَ فِي الوَقْتِ مُتَّسَعٌ لِيَضِيعَ) ..
…….
………
………….
(ادْعُ اللهَ لأمِّي يَاشَيْخ)
هكذا نَطَقَ بِهَا الصَّبِيُّ مُتَلَعْثِمًا وَقَدْ بَدَتْ عَلَى وَجْهِهِ أمَارَاتُ حُزْنٍ عَارِمٍ يُفَتِّتُ الفُؤَادَ شَفَقَةً عَلَى مَنْ فِي مِثْلِ سِنِّهِ .
وَازْدَادَ المَكَانُ هُدُوءًا عَلَى هُدُوئِهِ … وأمَّا بَقِيَّةُ الصِّبْيَةِ فَكَأنَّ عَلَى رُؤُوسِهُمُ الطَّيْر ، فالكُلُّ أغْلَقَ فَاهُ وتَقَطَّعَتْ أنْفَاسُهُ وَتَبَايَنَتْ نَظَرَاتُهُمْ مَابَيْنَ نَظَرَاتِ ألَمٍ سَجِينٍ فِي أغْوَارِ الصُّدُورِ وضِيقٍ مِنَ السُّؤَالِ وتَوَعُّدٍ لِصَاحِبِهِ الصَّغِيرِ بالوَيْلِ والثُّبُورِ ؛ ولكنْ ثَمَّةَ شَيْءٍ وَاحِدٍ قَدِ اشْتَرَكُوا فِيهِ أجْمَعِينَ …………..
أنْ تَعَلَّقَتْ جَمِيعُ الأنْظَارِ بِشَيْخِنَا الوَقُورِ الذي انْسَابَتْ قَطَرَاتٌ كَاللآلِيءِ مِنْ عَيْنَيْهِ وسَارَتْ فِي طَرِيقِها الذي عَرفَتْهُ بَيْنَ مُنْحَنَيَاتِ وَجْهِ الشَّيْخِ الحَزِينِ ثُمَّ تَوَقَّفَتْ لَحَظَاتٍ كَيْ تَسْقِيَ لِحْيَتَهُ البَيْضَاءَ الكَثَّةَ التي أدْمَنَتْ طَعْمَ الدَّمْعِ ، ثُمَّ مالَبِثَتْ أنْ سَقَطَتْ بِغَزَارَةٍ فِي حِجْرِ قَمِيصِهِ الأبْيَضِ القَصِيرِ وَكَأنَّ السَّمَاءَ أمْطَرَتْ لِتَوِّهَا؛ ولكن عَلى جِلْبَابِ الشَّيْخِ فَقَطْ .
أدارَ الشَّيْخُ نَظَرَاتِهِ بِعِنَايَةٍ بَيْنَ تَلامِذَتِهِ فِي شَجَنٍ يَعْرِفُهُ مَنْ صَارَ خَبِيرًا بِعَيْنَي الشَّيْخ

























